الأحد، 5 يونيو 2022

عمالة الطفل اليمني ... وجع لا ينتهي

 

في الصباح الباكر يستيقظ ذلك الطفل مع إخوته الأصغر منه سنا أو منفردا ؛ حافي القدمين مكشوف الرأس ، يبدأ رحلة البحث المضنية عن القوارير والعلب البلاستيكية والمعدنية الفارغة ، وسيرا على الأقدام يجوب أولئك الأطفال شوارع طويلة تمتد إلى بضعة كيلومترات داخل احياء العاصمة صنعاء وكل المدن اليمنية -كظاهرة اجتماعية ولدت من رحم معاناة الحرب .

و بين ركام المخلفات المتناثرة هنا وهناك في أحياء وشوارع المدن يبدأ أؤلئك الأطفال بالبحث والتقاط ما يمكن التقاطه من بين تلك المخلفات المليئة ببقايا أطعمة متناثرة آهلة بحشد كبير من البعوض والحشرات والروائح الكريهة ، التي لا يطيقها أحد أو حتى ذلك الطفل الذي لا يأبه لقذارتها ، فيضطر أن يمد يديه النحيلتين للبحث بين الركام ولا يهمه إن كانت تلك المخلفات تشكل في معظمها خطرا عليه  وتهدد حياته الصحية ، لأنه يدرك في قرارة نفسه أنه إن لم يغامر ويقم بذلك الأمر فلن يجد هو
وأسرته ما يسدون به رمقهم .

 وبعد عناء شديد وبحث طويل في الشوارع وفي الزقاقات وبين ركام تلك المخلفات؛ بالكاد يمتلئ ذلك الوعاء أو الكيس بالمخلفات البلاستيكية ، وعلى كتفه الصغير وجسمه النحيل يحمل ذلك الكيس الكبير الذي لا يقوى على حمله ، وما يعينه على ذلك إلا فقر أسرته وفاقتها والجوع الذي يتهددها إن لم يتحمل ذلك العبء الثقيل .

وعلى الطريق يمشي منكسر القامة يضطر لقطع طريقه يسترد بعضا من أنفاسه ، فيلاحظ كل شيء ، يرى أطفالا في سنه يركبون سيارات فارهة ، او أطفالا عائدين من مدارسهم وغير ذلك من المتناقضات العجيبة التي وجد نفسه فجأة في منعطفات عبثها  المر ، شاحب الوجه متسخ الثياب حافي القدمين متعب ومنهك من مسافات حزن لا يلوح لها أفق أو نهاية ، تتراكم في ذاكراته الكثير من المتناقضات التي توثق صورا مأساوية تحكي عن واقع طفولة كله قهر وحرمان ، فينمو لديه حس انتقامي متمرد من كل شيء وعلى كل شيء ، في مجتمع يحس انه غير عادل أو منصف في إطار عبثي اسمه الحياة .

 وفي نهاية الطريق يصل ذلك الطفل بحمولته التي كسرت ظهره ليبيعها من ذلك التاجر المحتال الذي يمثل أيضا صورة أخرى من صور المعاناة والاستغلال التي يتعرض لها أولئك الأطفال ، فبعد أن يصل الطفل بحمولته التي تحمل بداخلها وجع الأيام والسنين ؛ يقوم ذلك التاجر بوزنها واحتساب ثمنها بالكيلو جرام ، ويعطي مقابل كل كيلوجرام ملاليم لا تسمن ولا تغني من جوع و قد لا يكفي ما يحصل عليه مقابل ما يجمعه طوال يومه من العلب البلاستيكية قيمة وجبة غذائية واحدة متواضعة له ولأفراد لأسرته .

هذه صورة مختصرة عن معاناة واحدة وعمالة واحدة يمارسها الطفل اليمني ، يقابل ذلك أذان صماء لأمراء الحرب الذين لا تهمهم معاناة شعب وطفولة ؛ فتستمر تلك الحرب ويستمر معها نزيف الطفولة التي تذبح من الوريد إلى الوريد ، وهناك الكثير من القصص لعمالة الأطفال المليئة بالأحداث المثخنة بماسي الطفولة اليمنية والتي سنتطرق إليها في مواضيع لاحقة بإذن الله .

عمالة الطفل اليمني ... وجع لا ينتهي

  في الصباح الباكر يستيقظ ذلك الطفل مع إخوته الأصغر منه سنا أو منفردا ؛ حافي القدمين مكشوف الرأس ، يبدأ رحلة البحث المضنية عن القوارير والعل...