في الصباح الباكر يستيقظ ذلك الطفل مع إخوته الأصغر منه
سنا أو منفردا ؛ حافي القدمين مكشوف الرأس ، يبدأ رحلة البحث المضنية عن القوارير
والعلب البلاستيكية والمعدنية الفارغة ، وسيرا على الأقدام يجوب أولئك الأطفال شوارع
طويلة تمتد إلى بضعة كيلومترات داخل احياء العاصمة صنعاء وكل المدن اليمنية -كظاهرة
اجتماعية ولدت من رحم معاناة الحرب .
وأسرته ما يسدون به رمقهم .
وبعد عناء شديد
وبحث طويل في الشوارع وفي الزقاقات وبين ركام تلك المخلفات؛ بالكاد يمتلئ ذلك الوعاء
أو الكيس بالمخلفات البلاستيكية ، وعلى كتفه الصغير وجسمه النحيل يحمل ذلك الكيس الكبير
الذي لا يقوى على حمله ، وما يعينه على ذلك إلا فقر أسرته وفاقتها والجوع الذي
يتهددها إن لم يتحمل ذلك العبء الثقيل .
وعلى الطريق يمشي منكسر القامة يضطر لقطع طريقه يسترد
بعضا من أنفاسه ، فيلاحظ كل شيء ، يرى أطفالا في سنه يركبون سيارات فارهة ، او أطفالا
عائدين من مدارسهم وغير ذلك من المتناقضات العجيبة التي وجد نفسه فجأة في منعطفات عبثها
المر ، شاحب الوجه متسخ الثياب حافي
القدمين متعب ومنهك من مسافات حزن لا يلوح لها أفق أو نهاية ، تتراكم في ذاكراته الكثير
من المتناقضات التي توثق صورا مأساوية تحكي عن واقع طفولة كله قهر وحرمان ، فينمو
لديه حس انتقامي متمرد من كل شيء وعلى كل شيء ، في مجتمع يحس انه غير عادل أو منصف
في إطار عبثي اسمه الحياة .
وفي نهاية الطريق
يصل ذلك الطفل بحمولته التي كسرت ظهره ليبيعها من ذلك التاجر المحتال الذي يمثل
أيضا صورة أخرى من صور المعاناة والاستغلال التي يتعرض لها أولئك الأطفال ، فبعد
أن يصل الطفل بحمولته التي تحمل بداخلها وجع الأيام والسنين ؛ يقوم ذلك التاجر بوزنها
واحتساب ثمنها بالكيلو جرام ، ويعطي مقابل كل كيلوجرام ملاليم لا تسمن ولا تغني من
جوع و قد لا يكفي ما يحصل عليه مقابل ما يجمعه طوال يومه من العلب البلاستيكية قيمة
وجبة غذائية واحدة متواضعة له ولأفراد لأسرته .
هذه صورة مختصرة عن معاناة واحدة وعمالة واحدة يمارسها
الطفل اليمني ، يقابل ذلك أذان صماء لأمراء الحرب الذين لا تهمهم معاناة شعب وطفولة
؛ فتستمر تلك الحرب ويستمر معها نزيف الطفولة التي تذبح من الوريد إلى الوريد ، وهناك
الكثير من القصص لعمالة الأطفال المليئة بالأحداث المثخنة بماسي الطفولة اليمنية
والتي سنتطرق إليها في مواضيع لاحقة بإذن الله .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق